مؤسسة الطريق
يناير 23, 2022 سر التجسد الإلهي – من هو يسوع (1)

سر التجسد الإلهي – من هو يسوع (1)

سنفهم في هذه السلسة كيف أن هذا السر له انعكاس مباشر على حياتنا وعلى طريقة تفكيرنا وعلاقتنا بالله وعلاقتنا ببعضنا البعض.

يوحنا 1-1: 14

1فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللهِ ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱلله. 2هَذَا كَانَ فِي ٱلْبَدْءِ عِنْدَ ٱللهِ.   3 كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمّا كَانَ. 4 فِيهِ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ، وَٱلْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ ٱلنّاسِ، 5 وَٱلنّورُ يُضِيءُ فِي ٱلظّلْمَةِ، وَٱلظّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ…… 14 وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ ٱلْآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقّا”.

هذا الاصحاح يعرفنا من هو يسوع.

وفي تيموثاوس الأولى 16:3

” وبالإجماع عظيم هو سر التقوى: الله ظهر في الجسد…”

هنا نرى أن ظهور الله في الجسد هو كل سر التقوى. حيث أن الله هو مصدر كل حياة تقوية مسيحية. ومصدر كل ممارسة روحية، وهو أيضا مصدر كل خلاص يناله الإنسان. وهذا الخلاص كله يناله الإنسان مجموعاً في أن الله ظهر في الجسد.

لماذا نقول إن التجسد الإلهي سر:

كلمة سر في الكنيسة لا تعني أنه ممنوع الإفصاح عنه، لكنه أمر فائق يفوق فكر الإنسان ويحتاج إلى إعلان إلهي لمعرفته، وقد استطاعت الكنيسة بما لديها من خبرة روحية استقبال هذا الإعلان الإلهي وروعته وعاشته رغم أنه سر فائق لا يستطيع أن يُلم أحد بكل جوانبه اعتماداً على ذاته، أي بدون الإعلان الإلهي.

ولكي نفهم موضوع التجسد الإلهي يجب أن نفهم أولا معنى الشخص:

فالشخص في المفهوم الكنسي ولغة الآباء هو كلمة (أقنوم).

وفي اللغة اليونانية بروسوبون وتعني القناع أو الوجه، ففي الحقبة اليونانية القديمة في المسرح اليوناني كانوا يستخدمون الأقنعة في تشخيص شخصية معينة بهوية معينة على المسرح. ومن هنا جاء مصطلح شخص الذي يُمثل هوية معينة.

 وأيضا في اللغة اليونانية يأتي مصطلح هيبوستاسس كمرادف لنفس الكلمة.

وفي اللغة اللاتينية في الكنيسة الكاثوليكية يستخدمون كلمة persona التي أتت منها كلمة person  أي شخص.

وقد اختارت الكنيسة كلمة اقنوم من الأصل السرياني لتعبر عن الشخص في الإيمان المسيحي. 

الفرق بين مفهوم الشخص والفرد:

الفرد هو من يكون مستقلاً بنفسه بمعزل عن الآخرين، فمن لا يعيش حياة مشتركة مع الآخرين يكون في هذه الحالة فرداً.

أما الشخص في الإيمان المسيحي فهو القادر أن يقيم علاقة مع آخر أى يشخص إلى آخر، أو بمعنى آخر أن يكون ناظراً إلى آخر ويحيا مع الآخر.                                                      

أين نجد كلمة أقنوم أو شخص في الإيمان المسيحي؟

 نجد هذا الأمر موجوداً في سر الثالوث (الآب والابن والروح القدس) الثلاثة اقانيم يعيشون في حياة شركة مع بعضهم البعض، كل اقنوم يعيش في حياة اقنومية (شخصانية) في الثالوث، في حياة شركة واتحاد بالآخر. 

لماذا نسميهم أقانيم؟ لأنهم يحيون حياة شخصانية مع بعضهم البعض.

ما علاقة هذا بالتجسد؟   

عنوان بحثنا هذا هو من هو يسوع؟ لذا نحن نتحدث عن أقنوم الابن الذي هو متحد بالآب والروح القدس وفي ملء الزمان تجسد هذا الابن الذي يدعوه الكتاب المقدس في إنجيل يوحنا (الكلمة). ويقول عنه سفر الرؤيا (اسمه كلمة الله).

فالاسم دوره أن يدلل على شخص بعينه، فاسمك = شخصك. وكل شخص له كيان محدد وثابت غير متغير، أي هوية محددة. كذلك “الكلمة” هو اسم يدل عن أحدٍ بعينه، فهو يشير إلى أقنوم الابن.

فالشخص أو الأقنوم هو: كيان ثابت غير متغير (هوية محددة). ابن الله الكلمة له هوية ثابتة وفي ملء الزمان تجسد وصار جسداً.

وكلمة جسد في الكتاب المقدس لا تعني فقط الجسم البيولوجي لكنها تعني الكيان البشري ككل فهو عبارة عن جسد ونفس متحدان معاً.

ففي الإيمان المسيحي نرى أن الإنسان عبارة عن مكونين رئيسيين (نفس وجسد) متحدان ببعضهم البعض.

(صار جسداً) يقصد بها أن المسيح عندما تجسد اتحد بكيان بشري كامل أي أخذ طبيعة بشرية كاملة. هذا الإتحاد هو الذي جعل الإنسان يصل إلى الله، لأنه بحلول الاقنوم الثاني (الابن) في بشريتنا صار الله متحداً بالبشرية.

إن عدم فهم التجسد الإلهي فهماً صحيحاً يعود على حياتنا وعلى أعضاء الكنيسة بأفكار سلبية تؤثر على علاقاتنا ببعضنا البعض وعلى فهمنا للإيمان المسيحي.

بعض الأمثلة على الفهم الخاطئ: 

1- البعض يقول بعدم التساوي بين الأقانيم في الثالوث، أي أن هناك أفضلية أقنوم على آخر

كما إدعى آريوس وقال إن الآب أعظم من الابن.

وقد واجه القديس أثناسيوس تلك الهرطقة قائلا له: أنت تريد أن تميز بين الآب والابن لكي يكون هناك أفضلية للإكليروس على العلمانيين. لكن المفهوم الصحيح هو بتساوي الأقانيم في الثالوث، والذي يقي الكنيسة من الشعور بأفضلية البعض على الآخر.

2- البعض يدعي أن في تجسد المسيح ابتلع اللاهوت بشرية المسيح. ونتيجة لذلك، ولأن الكنيسة هي جسد المسيح، فلا يقبل البعض بأن يرى في أعضاء الكنيسة ضعفات لذلك لا يعتبرها كنيسة، لأنه يعتقد أنه كما ابتلع اللاهوت بشرية المسيح كذلك حينما يتحد الإنسان بالمسيح تختفي بشرية الإنسان. وهذا المفهوم هو امتداد لهرطقة أوطاخى. أما الفهم الصحيح للتجسد فهو يراعي الجانب البشري في الكنيسة.

4- من المفاهيم الخاطئة أيضا عن التجسد، من يقول بأن المسيح له طبيعتان بجانب بعضهما البعض، طبيعة بشرية وطبيعة إلهية متجاورتان وليسا متحدتان، وهو بذلك يُقسّم المسيح.

ولذا نجد عنده تقسيمات في حياته، فلا تجده يأخذ حياته بطريقة متكاملة، ولا نجد له رؤية متكاملة في أي شيء. فمثلا تجده يفصل حياته العملية عن حياته الروحية وحياته الاجتماعية، فالذي يقسم المسيح يقسم حياته والذي يرى أن المسيح كيان واحد كامل سوف يأخذ كل حياته بمنظور واحد متكامل.

كيف يؤثر الفهم الصحيح لعقيدة التجسد في حياتي؟

الفهم الصحيح لعقيدة التجسد له مردود على صلاتي وعلى خلاصي. وكمثال نطرح التالي.

لأنه إذا رأى أحد في المسيح الألوهية فقط وأن بشريته لا ذكر لها، ففي علاقته بالله يقول:

إذا أراد الله أن يقتحمني ويبطل فيَّ كل خطية فسوف يفعل ذلك.

ولكن أين دورك كإنسان؟ هذا الشخص لا يضع أي اعتبار للدور البشرى.

لذلك نحن نحاول أن نفهم من هو يسوع بقدر استطاعتنا، فبالرغم من إننا لن نستطيع أن نلم بكل الجوانب لأن هذا سر، ولكننا سنحاول أن نفهم من خلال الكتاب المقدس والكنيسة وأقوال الآباء.

ماذا تعني طبيعة المسيح؟

كتب كثيرة تتكلم عن طبيعة السيد المسيح. فالبعض يقول إن للمسيح طبيعتان: طبيعة بشرية وطبيعة لاهوتية. هذا التمييز غير دقيق وخصوصاً في كنيستنا.

فتعليم كنيستنا يعتمد دائما على أن الأولوية للأقنوم في تعاملنا مع الله.

 فإننا حين نتكلم عن يسوع أنه لاهوت وناسوت متحدان فإننا نتكلم عن:

“ما هو يسوع أي عن طبيعته؟” (ماهيته)، وليس “من هو يسوع؟”  (هويته)

ما الفرق بين الماهية (ما هو)، والهوية (من هو)؟

السؤال بـ (ما) تكون إجابته تشير إلى شيء، أما السؤال بـ (من) تكون إجابته تشير إلى شخص

مثال ذلك: فحين أريد أن أصف طبيعة البشر أقول: ترابية – عاقلة إلخ ….

وهذا توصيف لما هو الإنسان أي لماهيته.

لكن حين اتكلم عن شخص بعينه له اسم محدد، فأنا أتكلم عمن هو أي هويته.

لذلك عندما أريد أن أتكلم عن ماهية الله أي عما هو الله، فأنا أتكلم عن طبيعته الإلهية وعن صفاته مثل أنه: غير مائت – غير محوى – صالح – محب. فهذه الصفات لا تخبرني من هو الله (هويته)، بل ما هو الله (ماهيته).

لكن الإعلان الإلهي المسيحي يعلن لي أن الله هو الآب والابن والروح القدس ثلاث أقانيم متحدين معاً. وأن أقنوم الابن تجسد في ملء الزمان متحداً بالطبيعة البشرية أي بجسد ونفس بشريين، لذا فهو إله كامل وإنسان كامل.

يتبع “من هو يسوع؟” (2)

    

اترك رد