مؤسسة الطريق
مايو 22, 2021 القيامة ونحن

القيامة ونحن

 

       لقد حقق المسيح بقيامته ما كانت تحتاجه البشرية من شفاء لكي تغلب الفساد والموت الذي ساد عليها. فالقيامة أتت بالخليقة الجديدة وتغيير الطبيعة وتحويلها. وبالطبع كان ذلك فعالاً إذ أن كل ما صنعه المسيح وتتمه كان في حالة إخلاءه لنفسه متحداً بجسد بشريتنا، إذ كما يقول القديس كيرلس الكبير أن كل ما تتمه المسيح في تجسده كان “لأجلنا ولأجل خلاصنا” وهو ذات ما نردده في قانون الإيمان. يبقى أن كل إنسان آت للعالم ينتفع بهذا الخلاص بواسطة الإيمان بالمسيح والذي هو إيمان متدرج ومتسع الأبعاد.

القيامة والمعمودية

تبدأ حياة الإيمان بالمسيح للإنسان بسر المعمودية، والذي هو أحد أسرار “الدخول”. والمقصود بالدخول هنا هو الدخول إلى الإيمان المسيحي أو إلى ملكوت الله. ففي المعمودية يتحد الإنسان بالمسيح، ليس أدبيا فقط لكن بالحقيقة وبقدرة الروح القدس. وفي هذه المعمودية المقدسة يتحد أيضا الإنسان، كما يوضح لنا الروح بلسان بولس الرسول “أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضاً فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ. لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ نَصِيرُ أَيْضاً بِقِيَامَتِهِ”(رو 6: 3-5).

إذاً فالمعمودية هي أول درجة في الإيمان أو بداية الطريق في إعْمَال قيامة المسيح في كياننا، كما قرأنا عن “جِدَّةِ الْحَيَاةِ”. بالمعمودية نحصد باكورة الخلاص الذي يقدمه الله للبشرية. ولا عجب أن المسيح قام في صباح يوم الأحد الذى كان عيد باكورة الحصاد عند اليهود. ومن بعد المسيح استمرت الكنيسة الأولى تحتفل بمعمودية المؤمنين الجدد في فجر أحد القيامة من كل عام، لكي ما تستعلن هذا السر وهو أن المعمودية هي موت عن حياة عتيقة، وقبول لحياة جديدة بالقيامة مع المسيح. لقد كان هذا الطقس يمتاز بمظاهر الفرح الشديد، إذ يرتدي المعمدون الجدد ثياب بيض دلالة على قبول الحياة الجديدة بعد أن خلعوا ثيابهم العتيقة. ويأتزرون بزنار أحمر دلالة على إحتمائهم في دم الخلاص الذي لإلهنا. أيضا يقومون بزفة إحتفالية حول الكنيسة مع أيقونة قيامة المسيح. لكن أقوى وأهم ما يحدث في تلك الليلة هو مناولة المعمدين الجدد من جسد الرب ودمه ثم بعدها يشربون من كأس ممزوج فيه لبن بعسل. نعم لقد وصل المعمد إلى الأرض التي تفيض لبناً وعسلا، إلى أرض الموعد، ملكوت السموات المتجلي في الكنيسة. إن كل مظاهر البهجة والفرح هي المعنى الأصيل الذي تزرعه الكنيسة في نفس الإنسان لكي ما يمتلأ من الرجاء في إرتحاله القادم من الأرض إلى السماء.

القيامة تعني فرح الرجاء

          يا لفرحة المجدلية عندما إكتشفت قيامة السيد. من وقتها صارت القيامة بشارة الفرح. فالموت لم يضع نهاية للقاء المحبوب. وبناء على ذلك ظلت الكنيسة تكرز للعالم كله ببشارة الفرح، “المسيح قام”. ما أحوج العالم لهذا الرجاء أن “الموت لا يكون فيما بعد”. على مدار تاريخ البشرية والموت يقتل كل فرحة، بل صار العالم كله مستعبدا للخوف من الموت، متشائماً ولا يرى خيراً فيما هو آت، سواء كان هذا الموت قريباً أو بعيداً، بعد ثمانون عاماً أو ساعات قليلة. لقد صار شبح الموت مخيفاَ ومطارداً الإنسان حتى في أحلامه. وهو ما يُنشىء في الإنسان اليأس المؤدي لكل خطية، إذ يصير منطق البشر “فَلْنَأْكُلْ وَنَشْرَبْ لأَنَّنَا غَداً نَمُوتُ!” (1كو 15: 31).

 الخلاصة هي أن “الحياة بلا معنى” هكذا إستنتج الفيلسوف سارتر من كل ما يراه حوله، لا جدوى من الحياة أو من الذي ننتظره. لقد كان ذلك طبيعياً في عالم يفتقد وجود المسيح وقيامته. وهنا يأتي رجاء القيامة ليعطي معنى للحياة. فالموت ليس نهاية مأساوية إذاً، بل هو إنتقال، بل بالأحرى إن الموت هو نهاية للموت الذي بدأنا السعي نحوه يوم تعمدنا. والقيامة العامة الآتية هي رجاء الحياة الحالية كما نصلي باستمرار “وننتظر قيامة الأموات وحياة الدهر الآتي”. هذا الإنتظار هو ما يعطي معنى للحياة، ذلك هو الرجاء. بذلك تصير كل ابتسامة قيامة، كل لفتة طيبة هي قيامة عاملة في البشر. ولكن أكثرهم صدقا هي تلك الابتسامة التي تأتي في وسط ألم المخاض.

القيامة وألم المخاض

فاعلية القيامة ليست فقط عربون نأخذه في المعمودية وننتظر بقيته في حياة الدهر الآتي. ولكن القيامة تعمل فينا يومياً. فمياه المعمودية ممتدة في حياة الإنسان من خلال دموع توبته. فالتوبة “معمودية ثانية” بحسب وصف يوحنا السينائي. فالإنسان يختبر سر موت المسيح وقيامته في كل مرة يقدم فيها توبة عن خطيته، أنه رجاء بأن “الْخَطِيَّةَ لَنْ تَسُودَكُمْ” (رو 6: 14). هذا ما يمارسه الواحد حين يصارع خطية ما هو مغلوب منها، فيقول مع داود “أُعَوِّمُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ سَرِيرِي بِدُمُوعِي. أُذَوِّبُ فِرَاشِي” (مز 6: 6). ثم اليوم التالي في الصباح “قَامَ دَاوُدُ عَنِ الأَرْضِ وَاغْتَسَلَ وَادَّهَنَ وَبَدَّلَ ثِيَابَهُ وَدَخَلَ بَيْتَ الرَّبِّ وَسَجَدَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ وَطَلَبَ فَوَضَعُوا لَهُ خُبْزاً فَأَكَلَ” (2صم 12: 20). هذا هو قوة فعل القيامة، اجتياز الألم والصراع بملء الرجاء، أن هناك جديد، أن كل ذلك التعب سيعبر. أن ذلك عينه هو ما يتجسد في أم تتألم في مخاضها، ولكنها تحتمل عالمةً أن هناك حياة جديدة ستولد، فرحة جديدة. هذه هي دعوة الله للإنسان المسيحي، أن يحتمل ألم التغيير متشبثاً برجاء القيامة. ففي كل توبة هناك ألم رفض وضع غير صحيح، وأمور تشبع ذواتنا الميتة، ولكن يأتي وقت نتسلم فيه الغلبة على الموت، ونتحرر من أمر ما قد قيدنا لسنين عديدة. هذا ما يهبه الله لنا “الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ” (2كو 2: 14). فالمسيح قد غلب لأجلنا الموت والخطية، “المسيح قام” والله “أقامنا معه”. تلك هي العلامة أن القيامة عاملة في حياتنا، أننا نتغير ونتجدد كل يوم، ومن كل جهة.

القيامة تجعلنا أبناء

          من بعد إتحادنا بقيامة الرب في المعمودية إنتقلنا من كوننا غرباء إلى كوننا أبناء لله في المسيح يسوع. لذلك عندما نصلي صلاة “الأبانا” نصليها في وضع القيام أي واقفين. فالبنين هم أولاد القيامة. لذا ينادي الشماس على المؤمنين في القداس قائلاً “أيها الجلوس قفوا – ايه بى ابروس افكى استاثى تيه”، والمقصود هنا ليس هو وقوف الإحترام بل هو القيام، أي غلبة الموت. فالجلوس إشارة إلى “الْجَالِسِينَ فِي الظُّلْمَةِ وَظِلاَلِ الْمَوْتِ” (لو1: 79). إن الشيطان يطلب إذلال الإنسان وجعله يمتلأ من ” رُوحَ الْفَشَلِ” (2تي1: 7)، بينما الله يملأنا من “رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ!»” (رو8: 15). هذه هي قيمة الإنسان في عيني الله، لذا يسعى الله بكل الطرق لجعل الإنسان يستقبل ويعي هذا التغير الكياني في علاقته بالآب السماوي. ذلك هو أيضا قاعدة الغلبة على الخطية، أي عندما نعي أن وضعنا كخطاة ليس هو وضعنا الأصيل، بل هو حالة تغرب نسعى للخروج منها. فنجد أبانا ينتظرنا بشوق ودموع على الباب، كما في حال رجوع الابن الضال.

قد لا يسعنا هنا أن نعدد كل جوانب عمل القيامة في حياتنا، ولكن الدعوة هنا هي للإختبار. فإذا نبت الإشتياق في قلبك، فأطلب من روح الله أن يمنحك ما لم تدركه بالكامل بعد. فالروح القدس هو المسؤول الأول والأخير عن قيادتنا في حياة القيامة، وهو القادر وحده أن يجعلنا نعرف أبعاد فرح القيامة الفائق للوصف، إذ إنه “فَرَحٍ لاَ يُنْطَقُ بِهِ وَمَجِيدٍ” (1بط1: 8)، فبحسب وعد الرب، أنه بقيامته وقيامتنا يمنحنا هذا الفرح قائلاً: “سَأَرَاكُمْ أَيْضًا فَتَفْرَحُ قُلُوبُكُمْ، وَلاَ يَنْزِعُ أَحَدٌ فَرَحَكُمْ مِنْكُمْ” (يو 16: 22).

والمجد لله دائما، آمين.

اترك رد